تريند اليوم

الرئيس مبارك من القصر الرئاسي الي المدفن

خفت أمس شوارع مصر الجديدة من المارة، صباح الـ26 من فبراير، بمحيط قصر الاتحادية الرئاسي، كانت حركة السيارات طبيعية، واحد من السائقين كان أيمن محمد، صاحب “تاكسي أبيض”، خرج لعمله باكرا ككل صباح، ليتفاجأ بغياب بائع الشاي عن مكانه، والذي اعتاد شراء كوبا منه كلما مر على شارع المرغني “لقيت المحلات مقفلة، والحكومة مالية الشوارع”، عرف الشاب أن الحي على موعد مع ما هو غير معتاد، قبل أن يتاكد من الخبر “مبارك هيتدفن هنا”.

قبل 9 سنوات، زحف مئات الآلاف من المصريين صوب قصر الاتحادية، هاتفين: “الشعب يريد إسقاط النظام”، مطالبين: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”. كان المطلب عادلا، ولسنوات حكمه الثلاثين شهود، اضطر حسني مبارك ليلتها إلى التخلي عن السلطة. لكن قرابة عقد مر على ذلك اليوم، ليشهد الشهر نفسه، فبراير، مشهدا مغايرا تماما، إلا من بطله، مبارك؛ هدأت مصر الجديدة، توزع عشرات من رجال الأمن في شارع المرغني ومحيطه، واصطف مواطنون على بعد أمتار من قصر الرئاسة، يودعون جثمان الرئيس الأسبق الذي وافته المنية عن عمر يناهز 92 عاما.

يوم وفاة الرئيس الأسبق، علم محمد بالخبر من خلال وسائل الإعلام، لكن لم يتوقع شكل مراسم التشييع “متخيلتش إنهم هيعملوا عشانه كل الهلمة دي، خصوصا إننا بقالنا سنين مبنسمعش عنه حاجة”. كما لم يصل آذانه خبر عن مكان الدفن، مر خلال توصيلة لأحد الزبائن على مستشفى الجلاء العسكري، والتي نقل مبارك منها إلى مسجد المشير طنطاوي لصلاة الجنازة، ومنها إلى المدافن في شارع يتفرع من الميرغني، ليتكشف للسائق الأمر برؤيا العين.

مبارك كان على موعد مع مراسم جنازة عسكرية، حيث أقيمت الصلاة على جثمانه في مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس، بحضور أفراد عائلته والرئيس عبدالفتاح السيسي وعدد من المسؤولين وقادة القوات المسلحة، فضلا عن مئات المواطنين.

تلك الأجواء، أعادت أيمن إلى العام ٢٠١١، لا يزال يتذكر تعاطفه مع مبارك بعد خطابه الأخير، درجة أن “ساعة ما اتقال أنه مشي، كنت في الشارع شغال على التاكس، لقيت ناس بتوزع شيكولاتة، مرضتش آخد منهم”، لم يكن ذلك رفضا لثورة ٢٥ يناير، الرجل يقول إنه يناصر الاستقرار “وأكل العيش، ومحبش العطلة”، لكنه تمنى لو أن يصل المتظاهرون لمرادهم “يعني هو حد هيرفض يعيش بكرامة.. احنا اتظلمنا كتير برده.. جيلي اكتر جيل اتظلم”.

فى دراسة بعنوان “العدالة الاجتماعية فى برنامج الرئيس مبارك”، أجراها الدكتور إبراهيم البيومى غانم، مستشار المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وتوصل فيها إلى أن السياسات التى جرى تطبيقها منذ عام 1981 قد أسهمت فى تدهور العدالة الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع، كما أدت إلى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتركز الثروة فى يد فئات محدودة، وتهميش قطاعات اجتماعية واسعة، وتفاقم البطالة، إلى جانب زيادة المديونية الداخلية، والدين الخارجى، إضافة إلى النمو السرطانى للعشوائيات التى بلغ مجموع سكانها ما يقرب من ربع مجموع سكان مصر.

ولد محمد في العام ١٩٨٥، بعد ٤ سنوات من تولي مبارك السلطة “لا كنت شفت رئيس غيره، ولا جيه في دماغي أن يبقى في رئيس غيره”. عانى صاحب الـ٣٥ عاما رفقة أسرته سوء الأحوال الاقتصادية، داهمه شبح البطالة، ليرسو في النهاية على العمل بسيارة أجرة، يلف بها الشوارع ليلا ونهارا، لتلبية متطلبات أولاده “لما بدأت اشتغل على التاكسي في ٢٠٠٩.

لم يغير موت مبارك، الذي أسقطته ثورة شعبية، من موقف “القهوجي محمود” عن فترة رئاسته، ليتلفظ الرجل خلال مناقشة مع أحد الزبائن، في الوقت الذي تبث شاشة المقهى مراسم تشييع مبارك: “هو السبب في اللي إحنا فيه، لكن الله يرحمه مقدرش اتكلم”، فللموت جلال في نفس الشاب.

آواخر عهد مبارك، تيبست مفاصل الحياة السياسية بتعبير محللين، إذ سيطر الحزب الوطني الحاكم على مقاليد السلطة درجة شغله أكثر من 90% من مقاعد برلمان العام 2010، في انتخابات شهدت العديد من الانتهاكات من بينها التزوير، فيما لاح في الأفق السياسي مزاعم إعداد الابن جمال وريثا لحكم أبيه. تلك الحالة السياسية انعكست على كل مناحي الحياة.

لم يكن جدلا كببرا، بداخل مقهى شهير بمصر الجديدة، غلبت حرمة الموت أمور السياسة، كانت الأجواء هادئة، زبائن مشدوهة إلى الشاشة، يترحم منهم على روح الرئيس السابق، بينما يدلي كلا بدلوه في فترة رئاسته “أكيد في فرق بينه وبين رئيس تونس اللي هرب، أو بشار الأسد اللي حول بلده لساحة حرب”. بينما اجتمع الكل على الإنصات، في كل مرة، تعيد الفضائية خطاب مبارك الشهير: “الوطن غالي.. حاربت من أجله وعلى أرضة أموت وسيحكم التاريخ علي وعلى غيري بما لنا أو علينا”.

منذ البداية، تحمس محمد طارق لثورة يناير، دافع عن مطالبها، وتمنى لو أن يلمسها واقعا، لكن ذلك لم يتحقق في رأيه، ٩ سنوات كانت كفيلة بتبخر الحلم، فالشاب الذي يعمل لدى إحدى الشركات بمصر الجديدة، يكابد الآن عناء توفير ما يتطلبه الزواج، وهو الذي عقد خطبته قبل عامين، لذا خفت إيمانه بقدرة الثورة على تحقيق ما نادت به، وانتظره طارق لسنوات.

قبيل اندلاع ثورة يناير بشهور كانت التقارير الدولية تشير إلى أزمات ضخمة تسبب فيها نظام مبارك، فاحتل التعليم المركز 78 من 138 دولة وفقا لمؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعامي 2010 – 2011، وحجزت مصر المرتبة الـ115 على مستوى 180 دولة في مؤشر الفساد، والذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية عام 2009.. فيما كان الاعتراف بالسياسات الخاطئة للنظام يأتي من داخله أحيانا؛ فحاتم الجبلي، آخر وزراء الصحة في عهد مبارك، عقب على أحوال الصحة في مصر بتصريح شهير -في حوار مع جريدة المصري اليوم عام 2010- بأن “علينا الاعتراف بأن المستشفيات الحكومية لا تقدم خدمة جيدة أو معاملة محترمة”.

بينما كان حسن يوسف طفلا، وقت أن اشتعلت الثورة في الشوراع، لم يشهد الشاب الصغير فعاليتها، كذا لم يربطه بمآلاته شيئا يذكر. الشاب يذهب يوميا، إلى محال عمله في مصر الجديدة، ليبيع الأحذية، وكل همه كسب الرزق.

لم يلتفت يوسف طويلا لخبر وفاة مبارك، يقول إنه لم يعِ فترة حكمه، ومن ثم لا يمكنه إبداء رأيا في أدائه، لكن “فطرتي واللي اتربيت عليه، بتقول إن لما حد يموت أقول الله يرحمه”. الوجهة نفسها يعكسها على والديه، ليضيف ضاحكا: “أنا هروح البيت ألاقي أبويا وأمي نايمين.. لا شاغلهم مبارك ولا موته”.

قد يهمك أيضا |

السابق
السعوديه: غسل وتعقيم المسجد 4 مرات يومياً لضمان سلامه المعتمرين
التالي
كورونا يطيح بأول مدرب كره قدم في أوروبا

اترك تعليقاً